الرئيسية | مقالات | الدكتور نادر نورالدين يكتب .. القطن ومعاناة مزارعيه

الدكتور نادر نورالدين يكتب .. القطن ومعاناة مزارعيه

image

منذ أن عرف المزارع المصرى زراعات القطن فى عهد الوالى محمد على والمساحات تزداد عاما بعد عام حتى أصبح لها الغلبة فى العروة الصيفية متفوقة على الأرز والذرة وتجاوزت مساحات زراعته 2 مليون فدان.
ازدهرت زراعة القطن فى مصر خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية بعد إقامة القلاع النسيجية فى إنجلترا ثم مصر حتى سيطر القطن المصرى على أسعار البورصات العالمية بفضل بورصة القطن المصرية. إلغاء بورصة القطن فى مصر منذ أكثر من عشر سنوات وتسليم مقاليد أموره للقطاع الخاص فى زمن رجال الأعمال كان بداية تدهور زراعات القطن التى طالما اعتمد عليها الاقتصاد المصرى، وأصبح التاجر هو الذى يحدد سعر الشراء من الفلاحين بدلا من تلاقى البائع والمشترى وجها لوجه فى البورصة. الوزارات المتتابعة للخصخصة ساهمت فى تدمير زراعات القطن ببيعها نحو 8 شركات للغزل والنسيج تحول نصفها إلى مبان ومنازل!. اكتملت منظومة تدهور زراعات القطن بتولى أحد رجال الأعمال لوزارة الزراعة وهى الوزارة الأهم لنحو ثلثى الشعب المصرى ليحكم رجال الأعمال قبضتهم على تجارة القطن وشرائه بالثمن البخس حتى هوى إلى 550 جنيها للقنطار قبل عامين فقط بدلا من 1200 فانخفضت مساحات زراعته إلى 330 ألف فدان. ونتيجة لتغيرات المناخ وما يصاحبها من سيادة الظواهر المتطرفة لفيضانات عارمة هنا وجفاف وقحط هناك فقد اجتاحت الفيضانات العارمة فى العام الماضى أهم الدول المنتجة للقطن فى العالم الصين والهند وباكستان وبنجلاديش، ودمر كامل محصولها فارتفعت أسعاره وقاربت الألفى جنيه للقنطار فى ذروة نقص المساحات المزروعة بالقطن فى مصر إلى أدنى مستوياتها.
هذا الارتفاع الكبير فى الأسعار مع مطالبنا باستعادة القطن المصرى لعرشه الذى انتزعته منا بوركينا فاسو والتعريف بأهمية زراعته كمحصول نسيجى وغذائى كمصدر لزيت الطعام الفاخر وكعلف حيوانى غنى من الكسبة الناتجة عن عصر بذرته، ارتفعت مساحات زراعته فى هذا الموسم ووصلت إلى 525 ألف فدان فى ظل ضمان الدولة لسعر احترازى لا يقل عن 1400 جنيه للقنطار. ونتيجة لعودة إنتاج القطن إلى سابق عهده فى دول جنوب آسيا وزيادة المعروض منه فى الأسواق العالمية، انهارت أسعاره عالميا ومصريا حتى أصبحت لا تتجاوز 800 جنيه لقنطار أصناف الصعيد أكثر قليلا لأقطان الوجه البحرى. وساعد هذا الانهيار رفض البنوك المصرية بما فيها بنك التنمية والائتمان الزراعى تمويل شرائه من المزارعين. أدى هذا الوضع إلى تكدس القطن لدى الفلاحين غير مصدقين لانهيار أسعاره إلى هذا المستوى بما أصبح يمثل خطورة كبيرة على منازلهم بل وعلى القرى بأكملها نتيجة لسهولة إشتعاله ولشغله لمساحات كبيرة من بيوتهم ومخازنهم، مع الخوف المتزايد من سقوط الأمطار على بالات القطن فى بداية الشتاء، وبالتالى ضياع مجهود تسعة أشهر كاملة دون عائد!.
الأزمة الحقيقية للقطن حدثت بسبب غياب التخطيط الإستراتيجى والمنطقى، فعلى اعتبار أن أجواء مصر تتناسب مع إنتاج الأقطان الطويلة والفائقة الطول التى لا تمثل أكثر من 3% فقط من الإنتاج العالمى فكان لابد أن تتحول مصانعنا للغزل والنسيج لتتخصص فى إنتاج المنسوجات الراقية لصالح أشهر بيوت أزياء ومعارض العالم وهو مالم يحدث!. وعلى عكس ذلك وفى ظل احتياجات قلاعنا النسيجية العريقة للأقطان قصيرة التيلة كان يجب أن نتحول كليا أو جزئيا إلى زراعة الأقطار قصيرة التيلة وهو مالم يحدث أيضا!. صدور قرار حظر استيراد الأقطان قصيرة التيلة قبل نفاد القطن المصرى يعنى استخدام الأقطان المصرية الفاخرة فى إنتاج المنسوجات الرخيصة وهو أشبه باستخدام أقمشة تصنيع البدل وملابس السهرة فى تصنيع البيجامات والجلباب المنزلى وهذا إهدار للثروة المصرية. فمن مبادىء زراعة الأقطان الفاخرة فى العالم تسويقه قبل زراعته عن طريق مكاتبنا التجارية فى سفاراتنا فى الخارج، والتى يبدو أنها حذفت القطن من أولويات نشاطها، ولو وجهنا مخصصات دعم الصادرات إلى مكاتبنا التجارية فى الخارج لكان أفضل وأجدى للزراعة المصرية وصادراتها.
وعدت الدولة مزارعى القطن بسعر ضمان لا يقل عن 1400 جنيه للقنطار مقابل أن يستعيد القطن عرشه ونتوسع فى زراعته صيفا بدلا من التوجه إلى زراعة لب التسالى والفول السودانى اضطراريا، وعلى الدولة أن تفى بواجبها نحو فقراء مصر من المزارعين حتى لا نتحول فى الموسم الصيفى القادم إلى مزرعة كبيرة للب التسالى والفول السودانى بعد تحجيم زراعات الأرز ومن بعده القطن وانهيار أسعار الذرة ووقف الاتحاد الأوروبي استيراد الخضراوات المصرية! 

 

نقلا عن الأهرام

تعليقات (0 ضع):

ضع تعليقك comment

  • email أرسل إيميل لصديق
  • print نسخة
  • Plain text نص واضح
تصنيف هذا الموضوع
0
Poll: سد النهضه
هل ستتمكن مصر من حل مشكلة سد النهضه بالتفاوض مع اثيوبيا